الشنقيطي

372

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولا أدلتها . فيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك لأدلة خفيت على الليث ، فليس خفاؤها على مالك بأولى من خفائها على الليث . ولا شك أن مذهب مالك المدون فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي . والظاهر أن بعضها لم يبلغه رحمه اللّه ولو بلغه لعمل به . وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه . ومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه صيام ست من شوال بعد صوم رمضان . قال رحمه اللّه في الموطأ ما نصه : إني لم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف . وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته . وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء ، ولو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ، ورأوهم يعلمون ذلك . ا ه منه بلفظه . وفيه تصريح مالك رحمه اللّه بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من السلف ، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولا شك أنه لو بلغه الترغيب فيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكن يصومها ويأمر بصومها ، فضلا عن أن يقول بكراهتها . وهو لا يشك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أرأف وأرحم بالأمة منه . لأن اللّه وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم في القرآن بأنه رؤوف رحيم . فلو كان صوم السنة يلزمه المحذور الذي كرهها مالك من أجله لما رغب فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولراعى المحذور الذي راعاه مالك . ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ألغى المحذور المذكور وأهدره ، لعلمه بأن شهر رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال . كما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات لشهرة المكتوبات الخمس وعدم التباسها بغيرها . وعلى كل حال ، فإنه ليس لإمام من الأئمة أن يقول هذا الأمر الذي شرعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكروه لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب . وصيام الستة المذكورة ، وترغيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ثابت عنه .